مرض التسويف أسبابه وعلاجه

مرض التسويف وسبل العلاج



«سأزور صديقي يوما ما»، «كنت سأبدأ بالكتابة هذا اليوم غير أن أصدقائي أغروني بالخروج معهم، فأجلت عملي وضاع الوقت»، «
سأفعل كذا وكذا» عبارات كثيرة غالبا ما نستعملها بدعوى كثرة الأعمال والضغط، إنه التسويف الذي يعرف ب أنه اتخاذ قرار بتأخير عمل ما أو البتّ في أمر ما عمداً بدون مبرر موضوعي قاهر، غير ما له علاقة بسوء التدبير أو التهاون والكسل.

وعلى الرغم من أن تأخيرَ بعض الأعمال لتكوين صورة أفضل عنها أو جمع معلومات أكثر أمرٌ ممدوح، لكن الكثيرَ من الأعمال أو القرارات التي يتم تأخيرها تكون عرضة لعدم الانجاز كلية أو لإنجاز سيء. ويتخذ التسويف أشكالا كثيرة ويتم تبريره بعبارات مختلفة لكن نتيجته واحدة وهي مخالفة القاعدة الشهيرة: "لا تترك عمل اليوم إلى الغد فإن للغد عمله".
يعتقد بعض المسوّفين أن أفضل أدائهم يكون في أثناء شعورهم بالضغط النفسي في اللحظات الأخيرة، وذلك أن توازن بين عملين أنجزت أحدهما على عجل في اللحظات الأخيرة، وآخر أنجزته في وقت مبكر، يوضح أن قدر الإتقان الذي يمنحه الإنجاز على مهل.
والعمل في اللحظات الأخيرة يحرمك من مراجعته، وتقليب النظر فيه، ووضعه في صورته النهائية، والاستعانة ببعض المكملات الإضافية أو الزيادات المفيدة ليظهر العمل على أفضل وجه.
وفي هذا الاتجاه استحضر الداعية عبد الرحمان البوكيلي عدة معاني مؤكدا أنه «إذا استحضرها المؤمن نجاه الله من أحوال المسوفين وكنس من قاموسه (سوف) وأخواتها وارتقى إلى مستوى العزم والحزم وأنعم به من مقام»، وحسب البوكيلي تتخلخص تلك المعاني في:
أولا: استحضار قيمة الوقت وحساسيته، وأنه أثمن ما يملكه الإنسان في الدنيا، وهيهات إن ضاع منه شيء أن يرجع. كل ذلك يجعل المؤمن حريصا على استثمار أوقاته كلها فيما ينفع في الدنيا ويسعد في الآخرة... فيزن أوقاته بما يقدم فيها من أعمال نفيسة صالحة نافعة. وفي الحديث: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه...)
ثانيا: قيل لعمر بن عبد العزيز، وقد تعبوا من أعمال اليوم، أجِّل هذا لغد... فقال: لقد ثقل علينا عمل يوم فكيف إذا أضفنا إليه عمل يوم آخر.. و هذا فعلا فقه عظيم: فإن للغد أعمالا يضيق بها، فكيف إذا أضفنا إليه عمل يوم سابق؟
وعليه، يوضح البوكيلي، فإن وضع برنامج للأعمال وتقديم ما حقه التقديم والعكس مما يعفي عن التسويف وبغلق الباب في وجهه.
ثالثا: إن تسويف الأعمال وتأجيلها ينافي خلق المبادرة إلى الخيرات واغتنام اللحظات والمسابقة إلى الخيرات، مما يخالف ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من اليقظة والمبادرة قبل العوائق المانعة. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم: يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا!»
وفي جامع الترمذي وحسنه عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: «بادروا بالأعمال سبعا: هل تنتظرون إلا فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر».
البوكيلي قال في حديث ل»التجديد»، إن تأجيل جملة من الأعمال الصالحة ليعتبر بحق الهلاك المبين والخسارة التي لا تستدرك. وذلك من مثل: تأجيل التوبة، والتسويف في أداء حقوق العباد، ومنها التهاون في الدراسة وطلب العلم في الفتوة والشباب... فإن لذلك آثارا رهيبة في الحياة وبعد الممات...
و يضيف البوكيلي أن للمؤمن أعمال ثابتة يوميا لا سبيل إلى تأجيلها البتة وعلى رأسها: صلواته وتجديد التوبة والصلة بربه، وعمله المهني... والتزاماته التي تعهد بها نحو ذويه أو غيرهم مما هو محدد بمواقيت معينة... فهذا النوع من الأعمال لا يتهاون في إنجازها و لا يؤجلها إلا نادرا، وإذا حدث ذلك فإنه سرعان ما يجتهد في الاستدراك بما لا يضر بما هو آت من الأعمال...
رابعا: مما يسبب في التسويف ويوقع في تعطيل الأعمال الزيارات المفاجئة والأعمال الطارئة، خصوصا في المجتمعات المتخلفة التي لا تقدر فيها أوقات الناس. والسبيل إلى تجاوز ذلك يختلف ويتنوع. من ذلك:
-أن نتعلم رد المواعيد غير المبرمجة، وأن نتعلم ما وجه إليه رب العزة: (وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم)
-نميز بين الأعمال الطارئة حقيقة التي تستحق الالتفات وغيرها. فأعمال كثيرة يحسبها صاحبها مستعجلة وملحة وما هي بذلك. وكم من عمل مستعجل فعلا، لكن لست معنيا بالأمر بل غيرك. فعين الحكمة هنا أن توجه القوم الوجهة الصحيحة. كأن تمرض زوجة أحد الناس في المدينة فيتوجه إلى العالم بالشريعة يستنجد به عوض أن يتوجه إلى الطبيب.
-نحاول تحديد أوقات أخرى للأعمال الطارئة ما كان ذلك مناسبا. وإذا كانت مستعجلة لا تقبل التأجيل، فلنحاول إنجازها في أقل ما يمكن من الوقت...

محمد بلقاسم

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مدونة معلمي 2016 ©