انتفاضة رجال التعليم و التلاميذ في عهد الحسن الثاني وتحميل رجال التعليم مسؤولية الإنتفاضة الشعبية

انتفاضة رجال التعليم و التلاميذ في عهد الحسن الثاني 





الملك الراحل الحسن الثاني

43 سنة على انتفاضة 23 مارس 1965 ""
الحسن الثاني يحمل المسؤولية لرجال التعليم ويصفهم ب"أشباه المثقفين"
لا يمكنك أن تسبح في النهر مرتين" هكذا قالت الفلسفة اليونانية على لسان أحد رموزها ، غير أن الزمان السياسي المغربي البئيس" يُكذب" هذه المقولة ، حين يتم وقف النهر وتقسيمه إلى برك ومستنقعات مترامية ومن ثمة محاصرة النهر/ الزمن كي تصلح السباحة فيه مرات متكررة حتى أضحى الزمان المغربي آسنا بسبب ما فعلته أيادي حكامنا البررة .إن زمان الانتفاضات لازال مستمرا ، وزمان القمع لا زال مستمرا أيضا ، ومعهما يستمر المسلسل الذلقراطي . والذل هنا ليس قدرا ينبغي القبول به ومحاولة التطبيع معه، وانتهاز الفرصة المناسبة للقطع معه كما يحدث أحيانا ، بل هو سياسة متواصلة تستهدف الشعب المغربي المستضعف وقواه الحية التواقة إلى مغرب ينعم فيه الجميع بالحرية والمواطنة الكاملة والاحتكام إلى علوية القانون عن طريق مقاومة القمع الذي يتربص بالوطن، وإشاعة العلم حتى نستطيع مقاومة الجهل الذي أراده لنا حكامنا .
الملك الحسن الثاني رحمه الله في تصريحه للصحافي جان دانييل مدير"نوفيل أوبسرفاتور" يؤكد أنه لا يريد تعليم شعبه العزيز لأن من علمهم – والكلام للحسن الثاني- أصبحوا معارضين لنظام حكمه من الثوريين اليساريين والإسلاميين على حد سواء، أما المواطنون الصحراويين –برأي الحسن الثاني رحمه الله- فلهم نظامهم التعليمي التقليدي الذي يسعفهم في محاربة الأمية !!!
بعد انتفاضة 23 مارس 1965 التي وقعت بالدار البيضاء والتي راح ضحيتها مواطنون أبرياء ذنبهم الوحيد أنهم خرجوا للتعبير عن غضبهم من السياسة التعليمة المنتهجة ، والتنديد بارتفاع الأسعار في المواد الغذائية الأساسية ،أصدرت وزارة الأنباء والسياحة والفنون الجميلة والصناعة التقليدية بلاغا تحدد فيه هوية المتظاهرين قالت فيه : " إن بعض المعلمين المنتمين لبعض التنظيمات السياسية والنقابية قد تقدموا لتحريض تلاميذ المدارس الثانوية على القيام بمظاهرات تكتسي صبغة العنف والتخريب ، وأن التلاميذ توجهوا نحو الشوارع الرئيسية بالمدينة ، ولوحظ أن عناصر لا تمت إلى هذه المدارس بصلة وتجاوزت سنين الدراسة قد أعدت سلفا للانضمام إلى المظاهرات وقيادتها"
هذا البلاغ الرسمي الصادر عن الوزارة المذكورة تلاه يوم 29-03-1965 الخطاب الملكي الموجه للأمة بعد الأحداث الأليمة ، حيث حمل الملك المسؤولية عما حدث لرجال التعليم فقال رحمه الله " أتوجه إلى الأساتذة وأقول لهم إنه من عادة الرجال وعادة المثقفين بالخصوص أن تكون لهم الشجاعة الكافية للتعبير عن أفكارهم ، لا أن يستغلوا التلاميذ ، ولا أن يتستروا وراء الأطفال " واختتم كلامه الموجه إلى شعبه العزيز بتحذير شديد اللهجة لرجال التعليم واصفا إياهم بأشباه المثقفين فيقول " أقول لكم انه لا خطر على أي دولة من الشبيه بالمثقف ، وأنتم أشباه المثقفين ..وليتكم كنتم جهالا" .
الانتفاضة التي وقعت خلال عام 1965 ، لم يكن سببها رجال التعليم بالشكل الذي يمكن تصوره، فالظرفية كانت معروفة على المستوى السياسي والاقتصادي ، على المستوى السياسي كان هناك صراعا مريرا بين نظام الحسن الثاني والمعارضة ذات التوجه اليساري المنشق عن حزب الاستقلال ، وظهور ما يسمى بحزب الدفاع عن المؤسسات الدستورية بزعامة صديق الملك رضا اكديرة الذي أريد منه أن يملأ الفراغ زورا وكذبا ، واعتقال رموز الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بعدما أصبح ملاذا للمعارضة اليسارية الراديكالية ، أما على المستوى الاقتصادي فكان السبب هو ارتفاع موجة الأسعار في المواد الغذائية الأساسية من زيت وسكر ودقيق وارتفاع موجة العقار لا سيما بالدار البيضاء ، وتسريح العمال من المعامل التي أعلنت إفلاسها ....غير أن اغلب المراقبين والمتابعين للزمن المغربي المتكرر، يجمعون على أن النار كانت خامدة تحت الرماد ما أججها سوى مذكرة وزير التربية الوطنية آنذاك " يوسف بلعباس" الصادرة يوم 9 فبراير1965 والتي حددت هذه المذكرة بأنه " من الضروري ألا يتوجه إلى السنة الرابعة من الثانوي سوى التلاميذ القادرين على متابعة الدراسة في إحدى الشعب المتخصصة من السلك الثاني ، وأنه يمكن أن يتوجه الى السنة الرابعة من الثانوي التلاميذ المزدادون عام 1948 وتبلغ أعمارهم 18 سنة أو أكثر فلا يمكنهم ولوج السلك الثاني من الثانوي والوصول الى الباكالوريا "
هذه القرارات التي أوردتها المذكرة أثارت حفيظة التلاميذ المعنيين وأولياءهم . لأنها مجحفة في حق من أراد أن يستكمل تعليمه في بلد لم يتخلص من الاستعمار إلا بعد سنوات معدودات !!
وكانت الانتفاضة
قبل يوم 23 مارس 1965 ، شهدت مجموعة من المدارس والمعاهد إضرابات مكثفة ، فيوم 7 مارس من نفس العام الطلبة من جامعة القرويين بفاس يضربون لمدة 24 ساعة احتجاجا على عدم الوفاء بالاتفاق الذي حصل بينهم وبين الإدارة، حيث أقدمت السلطة على التدخل واعتقال بعضهم.، أما يوم 23 مارس فقد وقعت الأحداث الخطيرة بالدار البيضاء ، حيث نزل يوم الاثنين الأسود 22 مارس للتظاهر بالشارع تلاميذ 13 ثانوية تتراوح أعمارهم ما بين 13 و 20 سنة ، حيث مست الاعتقالات 3000 طفل وطفلة ، وفي يوم 23 مارس كان تجمع التلاميذ وانطلقوا في اتجاه درب السلطان معقل الطبقة العاملة آنذاك، ثم إلى باب مراكش وبعده إلى المدينة القديمة ، وفي حدود الساعة الثالثة زوالا تلقى الجيش أوامرعليا لإطلاق النار على المتظاهرين وبدأ البعض منهم يتساقطون كأوراق الخريف وهم في ريعان شبابهم !!
نتساءل مع الصحافي إدريس ولد القابلة (جريدة القدس العربي يوم 14 أبريل 2005 ) كم عدد الضحايا على وجه التحديد الذي أسقطتهم رصاصات الجيش المغربي ؟ إلى حد الآن لا زال العدد مجهولا، بلغ العشرة حسب تصريح السلطات، فيما أعلن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب عن أكثر من 1000 قتيلا دفنوا في مقابر جماعية بأمر من الجنرال محمد أوفقير الذي قاد شخصيا عمليات قمع المتظاهرين.
في نفس اليوم أعلن عن إضراب عام بمدينة فاس من لدن رجال التعليم ، وفي يوم 25 مارس قاد معهد شراردة وثانويات مولاي إدريس ومولاي رشيد ومعهد الفتياتبفاس إضرابا احتجاجا عن سياسة الحكومة في التعليم ، فحاصرت الشرطة معهد شراردة فخرج أثناء المواجهات عدد كبير من المواطنين ، واعتقل المئات من التلاميذ وتعرض المعهد المذكور لعدة خسائر ، وتم الإعلان رسميا عن وجود 60 جريحا ، بينما قدم 51 تلميذا من معهد شراردة التابع للقرويين أمام القضاء وصدرت في حقهم أحكام تتراوح بين شهر وشهرين سجنا نافذة مع غرامة تقدر ب 50 و 100 درهما.
هنا يعن لنا التساؤل بعفوية : لماذا كانت السلطات المغربية تلجا الى مثل هذه التدخلات العنيفة بحق تلاميذ يريدون أن يعبروا عن استنكارهم للسياسة التعليمية الرامية الى تجهيلهم وإذلالهم؟ هل كان الحسن الثاني يخاف حقا كما ألمع الى ذلك جان دانييل من تعليم الشعب حتى لا يصبح خزانا للمعارضة اليسارية والإسلامية لنظام حكمه ؟! وهل رجال التعليم هم حقا ضد الملكية حتى يتم وصفهم بالجهال وأشباه المثقفين من لدن الحسن الثاني رحمه الله ؟!
من هم أعداء الملكية ؟
يعتبر جان دانييل صحافيا معروفا و مشهورا بحواراته مع الملك الحسن الثاني، حيث قبل وفاة الملك بأيام قليلة أدلى بتصريح للصحافي دانييل نشرته "نوفيل أوبسرفاتور" في عدد 8 يوليوز 1999 ، سؤال جان دانييل: " هل تشعرون يا صاحب الجلالة أحيانا ببعض الندم والحسرة وأنتم تتأملون حياتكم؟"
جواب الحسن الثاني: " أجل. وحسرتي الكبيرة هي أنني كنت أميل الى رؤية تلقائيتي في الآخرين وكنت أمنح ثقتي بسرعة دون أن أضع الأشخاص على المحك ، وكان هذا سبب جميع الزلات التي وقت فيها كيفما كانت أهميتها ، هذا هو مفتاح أخطائي وهفواتي "
الجنرال الدموي محمد أفقير الذي تكفل بقيادة الجيش المغربي بإطلاق الرصاص على المتظاهرين في انتفاضة 1965 ، والذي تعود إليه ، ولا شك، المسؤولية عن المقابر الجماعية التي لا زالت عملية اكتشافها مسترسلة ومتواصلة ، هو نفسه من كان يقبل يد الملك ويغرر به ويرفع إليه التقارير الكاذبة لإشباع نهمه المتعطش لدم الشرفاء من أبناء الوطن. الجنرال أفقير هو نفسه من قاد الانقلاب الثاني على ولي نعمته الملك الحسن الثاني عام 1972، وربما كان هو المقصود في تصريح الملك ممن كان يضع فيهم ثقته !!. أوفقير وغيره الكثير الذين لا زالوا الى وقتنا الحاضر في الألفية الثالثة يقومون بنفس الأدوار،ولعل أبرزهم هو حسني بنسليمان أقدم مسؤول على رأس الجهاز الأمني الذي تحول من حراسة مرمى فريق الجيش الملكي لكرة القدم الى حراسة البرك والمستنقعات ضدا على تجدد مياه النهر/الزمن نحو الأفضل . هو والعنيكري والضريس من أطلق قواته تسوم سكان سيدي افني سوء العذاب !!!
رجال التعليم والصحافة ومعهم شرفاء هذا الوطن ليسوا أعداء الملكية ، بل أعداؤها هم من يسيؤن إليها وهم يحسبون بقمع الشعب وإذلاله كما ورد في (جريدة المشعل ،عدد172) أنهم يحسنون إليها صنعا . ونرى أنفسنا متفقين مع محمد الساسي حين قال في حواره الشهير بعد وفاة الحسن الثاني ببضعة أشهر " من يحب ملكه يجب أن يقول له الحقيقة كاملة".
على سبيل الختم
إذا كانت انتفاضة 1965 قد وضعت حدا لادعاءات الأحزاب المسماة تقدمية – حسب الباحث عزيز خمليش- بكونها تشكل طليعة الجماهير الشعبية المغربية ، حيث أن تلقائية العصيان وامتداده السريع الى المدن الأخرى والعناصر الشعبية التي شاركت فيه ، بالإضافة الى طبيعة الشعارات التي كانت تخرج من أفواه أطفال لا يتجاوز سنهم الخامسة عشر سنة ، وكذا من أفواه آبائهم الذين نزلوا الى الشارع ، كل اعتبره خمليش يشكل حجة قاطعة على فشل هذه الهيئات، غير أنه تجدر الإشارة الى أن هذه الهيئات قد تفاعلت مع الحدث ووظفته لصالحها ، ومن يطالع الجرائد مثل الاستقلال وليبراسيون وغيرها نجد تغطية للحدث وتعاطيا بلغ حد التعاطف والتبني ، ولا ننسى أنه ظهرت منظمة 23 مارس اليسارية التي بنت معمارها النظري بناء على هذه الأحداث . فلنعلم !!
أما حين وقعت أحداث صفرو و سيدي افني ألفينا كل التنظيمات نائمة ، وحتى الجرائد التي لازالت على قيد الحياة منذ أحداث 1965 لم تنبس ببنت شفة ، بل سارعت الى نهج سبيل التضليل والتعتيم عما يجري ، لولا الصحافة المستقلة حفظها الله من كل سوء.
تصبحون على وطن


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مدونة معلمي 2016 ©